الطلّابية
EN

مصعب الباقر.. والرسالة التي غيّرت المسار

مصعب الباقر يتسلّم درع التكريم

حين وصلت إلى المملكة قادمًا من السودان لدراسة الدكتوراه في الهندسة البيئية، كانت حياتي تدور بالكامل حول الدراسة والبحث العلمي: مقررات مكثفة، واختبارات شاملة، ومقترحات بحث، ورسالة دكتوراه، وسيل لا ينقطع من رسائل البريد الإلكتروني باللغة الإنجليزية. ولكن في وسط هذا الزحام لفت انتباهي بريد إلكتروني مختلف مكتوب باللغة العربية، كان عنوانه يدعو للانضمام إلى برنامج في أساسيات العمل التطوعي يدعى برنامج (رائد).

منذ سنوات كان لدي اهتمام بالعمل التطوعي لكن ضغوط الدراسة والعمل لم تترك لي فرصة لخوض هذه التجربة، لذلك قلت لنفسي: لماذا لا أجرب؟ خصوصًا أن البرنامج كان افتراضيًا ويمكنني متابعته في أي وقت. خرجت من أحد الاختبارات، وبدأت البرنامج وانتقلت من قصة إلى أخرى حتى وجدت نفسي بعد أقل من ثلاث ساعات قد أنهيت البرنامج كاملًا. لم يكن مجرد محتوى تدريبي بل كان مصدرًا للإلهام وإعادة تشكيل نظرتي للعمل التطوعي المجتمعي، وفي تلك اللحظة اتخذت قرارًا غيّر الكثير في حياتي: أن أجعل العمل التطوعي مساحة أتنفس فيها بعيدًا عن ضغوط الدراسة، ونافذة أتعرف من خلالها على المجتمع وأصنع علاقات تتجاوز حدود القاعات الدراسية.

بعد اجتياز (رائد أساسي) تقدمت إلى (رائد متقدم)، وكانت تلك التجربة نقطة التحول الحقيقية في حياتي. تغيرت الطريقة التي أنظر بها إلى تخصصي العلمي وإلى دوري في المجتمع، حيث أدركت أن الهندسة البيئية يمكن أن تكون وسيلة لخدمة الناس وتحسين جودة حياتهم. ومن هنا وُلدت أول فكرة مشروع بالنسبة لي، وهي تحويل النفايات العضوية ومخلفات الطعام بمطعم الطلاب بالجامعة إلى سماد عضوي (Compost) يسهم في تقليل الهدر ويستخدم في تحسين المسطحات الخضراء داخل الجامعة. وبعد إتمامي لبرنامج (رائد متقدم) شاركت فكرتي ومشروعي وأحلامي مع الدكتور بسام الطوابيني، أحد أساتذة الهندسة البيئية بالجامعة وقدوتي ومثلي الأعلى، وقد كان -لحسن الحظ- يجهز فريق عمل خاص به بصفته عضوًا في Green Campus Initiative ومسؤولًا عن ملف معالجة مخلفات بقايا الطعام داخل المبادرة، فكان لي الشرف أن أكون أحد أعضاء فريقه.

بعد حصولي على شهادتي (رائد أساسي) و(رائد متقدم) جاءت فرصة المشاركة في مبادرة دعم الرواد من أكاديمية الفوزان بالجامعة تحت قيادة الدكتور باسم المدني، فبدأت أفكر في تحدٍ جديد كنت أراه يوميًا داخل سكن الطلاب. أطلقت مبادرة تهدف إلى رفع الوعي البيئي والصحي بين الطلاب عن طريق ملصقات توعوية تشرح أفضل الممارسات في النظافة العامة، والاستخدام الصحيح للمرافق العامة، وطرق التخلص من النفايات الغذائية. وحتى تكون الرسالة أكثر تأثيرًا قمت بتسجيل ومونتاج 12 فيديو توعويًا بلغات مختلفة، منها العربية والإنجليزية والفرنسية والسواحلية والأردية والهندية والإندونيسية والإسبانية والبرتغالية والتركية، ووزعتها عبر مسؤولي المباني ونادي الطلاب الدوليين حتى تصل إلى كل طالب بلغته الأم. وكانت النتيجة مبهرة، إذ وجد الطلاب أنفسهم أمام رسالة تخاطبهم بلغتهم وثقافتهم، فأصبحوا أكثر تفاعلًا مع المحتوى وأكثر استعدادًا لتطبيق الممارسات البيئية الصحيحة.

وبعد توفيق الله سبحانه وتعالى والتشجيع المستمر من جميع منسوبي أكاديمية الفوزان بالاستمرار، جاءت الفرحة الكبرى عندما تأهلت للمشاركة في برنامج (رائد احترافي)، وهناك تعلمت مفهومًا جديدًا: تصميم مشاريع تطوعية تحقق أثرًا اجتماعيًا وبيئيًا وتمتلك في الوقت نفسه نموذجًا اقتصاديًا يضمن استدامتها. ومن خلال مشروع (ركن) عملنا على تطوير نموذج لإدارة النفايات المنزلية وربطه بمنظومة إعادة التدوير وإعادة الاستخدام، وبتوفيق الله ثم اجتهاد أعضاء فريقنا وصل المشروع إلى مراحل متقدمة وحاز على عدد من الجوائز المحلية، وحصلنا على (Green Certificate Level) من إحدى الجهات الأكاديمية البريطانية المتخصصة في تقييم المشاريع ذات الأثر البيئي والاجتماعي والاستدامة الاقتصادية.

لكن الأثر الحقيقي لم يكن في هذه الجوائز أو الشهادات، بل في التحول الذي حدث داخلي وفي الطريقة التي أصبحت أنظر بها إلى دوري كباحث في الهندسة البيئية. فقد تحولت الأفكار التي ولدت في برنامج رائد إلى مبادرات قابلة للتطبيق، وحظيت بتقدير داخل الجامعة وخارجها، وكان من أبرز محطاتها حصول مبادرة ركن (تحويل النفايات المنزلية إلى موارد اقتصادية) على المركز الثاني على مستوى المملكة في المنتدى الثاني عشر لتطوير القطاع غير الربحي، كما تشرفت بنيل جائزة أفضل متطوع للعام 2025 من مركز التبادل المعرفي (KIKX)، تقديرًا لمشاركتي في تنظيم المؤتمرات والفعاليات العلمية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن. ولم تكن هذه الإنجازات نهاية الرحلة بل بداية لمسؤولية أكبر، فقد أصبحت متطوعًا دائمًا مع عدد من الجهات منها جمعية حماية المرضى والجمعية السعودية لمرضى الروماتيزم، وشاركت في تنظيم احتفالات يوم التأسيس واليوم الوطني داخل الجامعة، كما تضاعفت ساعاتي التطوعية المسجلة في المنصة الوطنية للعمل التطوعي.

اليوم عندما أسترجع بداية هذه الرحلة، أبتسم وأنا أتذكر أن كل ما حدث بدأ برسالة بريد إلكتروني واحدة. لم تكن مجرد دعوة للالتحاق ببرنامج تدريبي، بل كانت رسالة فتحت أمامي بابًا جديدًا للحياة، وجعلتني أؤمن بأن العمل التطوعي ليس نشاطًا إضافيًا على هامش الحياة، بل تجربة تصنع الإنسان وتوسع أثره، وتمنحه فرصة حقيقية ليترك بصمة في المجتمع أينما كان.

اقرأ كما طُبع

الصفحة 5 من العدد المطبوع