الطلّابية
EN

مونديال 2026.. نسخة استثنائية لن تتكرر

يمكن وصف مونديال 2026 بأنه أحد أكثر نسخ كأس العالم تميزًا، ليس فقط بسبب توسع البطولة إلى 48 منتخبًا، بل لأنه جمع بين لحظات الوداع، والتجارب الجديدة، والقصص التي ستبقى عالقة في ذاكرة عشاق كرة القدم.

الرقصة الأخيرة: كان هذا المونديال بمثابة الرقصة الأخيرة لعدد من أساطير اللعبة؛ كريستيانو رونالدو، ومانويل نوير، ونيمار، وكيفين دي بروين، ولوكا مودريتش. مجرد مشاهدة هؤلاء في آخر ظهور لهم على المسرح الأكبر كانت لحظة استثنائية، حتى وإن لم يبتسم لهم الحظ ويطول مشوارهم في البطولة.

وبالنسبة لكريستيانو رونالدو، بقي كأس العالم البطولة الوحيدة التي استعصت عليه. فلم ينجح في ترك البصمة التاريخية التي اعتاد أن يتركها في البطولات الأخرى. ويرى البعض أن المنتخب البرتغالي افتقد الوحدة داخل غرفة الملابس، بل إن الانقسامات كانت واضحة منذ بداية البطولة، ووُجهت أصابع الاتهام إلى رونالدو باعتباره أحد أسبابها. لكن اختزال خروج البرتغال في هذا السبب وحده يبدو غير منصف. فالبرتغال امتلكت جودة فردية كبيرة، لكنها افتقدت الروح الجماعية والإحساس بقيمة البطولة. فكأس العالم لا تُحسم بالأسماء وحدها، بل بمنظومة تؤمن بأن اللقب هو الهدف الأول. أما رونالدو نفسه، فبدا وكأنه لا يزال يقاتل لإثبات أمور لم يعد بحاجة إلى إثباتها؛ فمكانته التاريخية محفوظة، لكن لكل أسطورة نهاية.

أما ليونيل ميسي، فكان عنوان مشاركته مختلفًا تمامًا؛ إعجاز ما حققه في مونديال 2026. الفريق الذي قاده ميسي إلى نهائي البطولة هو نفسه الفريق الذي حقق معه معجزة مونديال 2022، لكنه هذه المرة بدا أقل قدرة على مجاراة كبار المنتخبات، بل عانى حتى أمام منتخبات لم تكن مرشحة للمنافسة. ورغم ذلك، استمر ميسي في تقديم الحلول الفردية، لكن كرة القدم تبقى لعبة جماعية، وعندما نجحت إسبانيا في عزله عن الكرة عبر استحواذها وسيطرتها، أصبح من الصعب أن يصنع المعجزة مرة أخرى. في سن الخامسة والثلاثين، قاد الأرجنتين إلى لقب تاريخي أمام فرنسا. أما في سن التاسعة والثلاثين، فإن مجرد الوصول إلى النهائي بهذا الفريق يُعد إنجازًا استثنائيًا، حتى وإن ظهر المنتخب الأرجنتيني بصورة باهتة في المباراة النهائية، ولم يستطع مجاراة المنظومة الإسبانية.

هل نجحت فكرة مشاركة 48 منتخبًا؟ ستبقى الآراء منقسمة حول هذا النظام، لكن من الصعب الجزم بأنه فشل. من وجهة نظري، حققت البطولة نجاحًا في توسيع دائرة المشاركة ومنح منتخبات جديدة فرصة الظهور على المسرح العالمي، إلا أن النظام الجديد كشف أيضًا بعض السلبيات. فقد بدأت الإثارة تتراجع منذ الجولة الثانية من دور المجموعات، بعدما اتضحت ملامح معظم المتأهلين، وأصبح الصراع في كثير من المجموعات يقتصر على تحديد المراكز فقط. كما فقدت الجولة الأخيرة كثيرًا من قيمتها، وشاهدنا منتخبات تعتمد على التشكيل الاحتياطي، إضافة إلى مباريات انتهت بنتائج خدمت مصلحة المنتخبين معًا، وهو أمر أثار الكثير من الجدل. لذلك يبقى السؤال مطروحًا: هل كانت زيادة عدد المنتخبات إلى 48 خطوة ناجحة بالكامل، أم أنها جاءت على حساب إثارة دور المجموعات؟

ما الذي افتقده هذا المونديال؟ رغم جودة البطولة، إلا أنها افتقدت بعض التفاصيل التي اعتدنا عليها في نسخ كأس العالم السابقة. أولها قلة الأهداف المونديالية الخالدة؛ فالأهداف الجميلة كانت موجودة، لكنها لم تصل إلى مستوى الإبهار الذي اعتدنا أن يبقى عالقًا في الذاكرة لسنوات طويلة. كما أن اختيار ملعب المباراة النهائية لم يكن موفقًا برأيي. فقد أقيم النهائي على ملعب مكشوف وفي أجواء مشمسة، رغم توفر ملاعب مغلقة ومكيفة كانت ستوفر ظروفًا أفضل للاعبين والجماهير. وربما كان لذلك أثر في جودة المباراة النهائية وأجواء الاحتفال، التي لم تحمل الزخم نفسه الذي شاهدناه في نهائي مونديال قطر 2022.

سيبقى مونديال 2026 نسخة استثنائية يصعب نسيانها. فقد ودّعنا فيه جيلًا من أعظم لاعبي كرة القدم، وشاهدنا تجربة جديدة بنظام مختلف، وعشنا أسابيع مليئة بالشغف الكروي، حتى في ساعات الصباح الباكر. ورغم بعض الملاحظات، فإن هذه البطولة ستظل واحدة من أكثر نسخ كأس العالم تميزًا، وربما لن تتكرر تفاصيلها بالصيغة نفسها مرة أخرى.

اقرأ كما طُبع

الصفحة 7 من العدد المطبوع

المزيد من مشاركاتي